السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
128
مفاتيح الأصول
وغيرهما التوقف كما عن الأزدي وأبي الحسين والأظهر عندي ما عليه الصّيرفي لأن التكرير في التأكيد كثر ما لم يكثر في التأسيس فيحمل عليه إلحاقا للفرد المشكوك فيه بالأعم الأغلب وأمّا كثرة التأسيس فمسلمة في غير هذه الصورة وأمّا فيها فلا تحقيق المطلب أن غلبة التكرير في التأكيد بلغ حدا لم يكن غيره متبادرا منه بل كان المتبادر هو فقط ألا ترى أنّه لو قيل رأيت زيدا ورأيت زيدا وجاءني زيد جاءني زيد وأكرمت خالدا أكرمت خالدا إلى غير ذلك من الأمثلة الَّتي لا تكاد تحصى لم يفهم منه سوى التأكيد ولم يتخيل أنّه أريد بزيد وخالد في الثّاني غير ما أريد به في الأوّل بل يفهم منه التّأكيد ولذا قال الحاجبي في الكافية التأكيد لفظي ومعنوي فاللفظي تكرير اللفظ الأول مثل جاءني زيد زيد ويجري في الألفاظ كلها انتهى فلو كان حمل اللفظ المكرر على التأكيد خلاف الأصل لقال التأكيد معنوي وقد يكون لفظيا وهو ما يكون بتكرير اللَّفظ مع القرينة عليه وبالجملة من تتبع المحاورات العرفية حصل له الظن القريب إلى العلم بأن كلّ مكرر للتأكيد وعلى هذا يمكن أن يقال إن المكررات وضعت وضعا نوعيا للتأكيد فيكون الأصل فيها التأكيد فتأمل واحتج الأوّلون بوجوه منها أن التأسيس أرجح من التّأكيد لأن الأول موافق للغرض من إحداث اللَّغات وهو إفهام السامع ما ليس عنده مع كونه أكثريا فيلحق به الظن ولا كذلك التّأكيد ولذا ادعى الشّهيد الثّاني الاتفاق على كونه خلاف الأصل وفيه نظر لما عرفت على أنّه لو كان رجحان التّأسيس مستند إلى مجرّد اشتماله على الفائدة من غير التفات إلى غلبة كان التّأكيد أيضا راجحا لاشتماله على فوائد قررت في محلَّها بل قد يكون فائدة التأكيد أولى هذا وقال في النهاية وفائدة التأسيس وإن كانت أولى إلَّا أن أصالة براءة الذّمّة واستصحاب حال العدم راجح على ضدّهما وردّ بمعارضته بما يلزم في التأكيد من مخالفة ظاهر الأمر من الوجوب والنّدب أو المشترك بينهما للقطع بأنه ليس ظاهرا في التأكيد وإذا تعارض وجها التّرجيح بقي التّأسيس سالما مع ما فيه من الاحتياط لاحتمال الوجوب في الواقع وفيه أنّه لا مخالفة لظاهر الأمر والاحتياط معارض بمثله لأنّ الاحتياط قد يكون في الحمل على التّأكيد لاحتمال الحرمة في المرة الثانية كما إذا قيل للجلَّاد اجلد الزّاني مائة مرة اجلد الزّاني مائة مرّة والتحقيق أن الأصل المزبور لا يصح التّمسّك به في مقام إثبات أولوية التّأكيد على التأسيس فإنها أمر لغوي والمطالب اللغويّة لا تثبت بالأصول العقلية نعم لو توقفنا في ترجيح أحد الأمرين على الأمر وورد خطاب من الشّرع بنحو المفروض كان التمسّك به متجها بأن يقال غاية ما ثبت من هذا الخطاب الوجوب في الجملة لا التكرار فإن الشّك في المقام حاصل في نفس التكليف ومن شأنه التمسّك بالبراءة الأصلية ومنها أن اللَّفظ ليس موضوعا للتّأكيد فاستعماله فيه مجاز والأصل الحقيقة فيلزم التأسيس وفيه نظر للمنع من كونه مجازا وإنما يسلم إن قلنا أن المؤكد يراد منه تقرير ما فهم من الأول بمعنى أن يكون التقرير المزبور جزءا لمفهومه المطابقي لأنه حينئذ يكون مجازا لأن اللفظ المؤكد قبل إتيانه مؤكدا لم يدل على التقرير أصلا ولا كان هو جزءا لما وضع له بلا ريب فاستعماله في التأكيد بعده استعمال اللَّفظ في خلاف ما وضع له وهو المجاز وأمّا إذا قلنا إن التقرير المزبور يستفاد من نفس التكرير لا ممّا حصل به التّكرار فلا مجاز أصلا لأن اللَّفظين قد استعملا في معناهما الأصلي غاية ما في الباب أنّه يفهم التأكيد منهما وهو أنما يكون بالتكرير لا غير ولذا لا يقال عرفا للشخص المؤكَّد أنّه متجوز وقد أشار إلى ما ذكرنا الباغنوي هذا وقد منع السّيّد عميد الدّين لزوم التأكيد على تقدير صرف الأمر الثاني إلى الفعل المأمور به أولا قائلا أن ذلك أنما يلزم لو لم يكن الأمر دالا على طلب الأمر حال إيجاده الأمر وأما على هذا التقدير فلا لأن الأمر الثاني دال على طلب الشارع في زمانه المغاير لزمان الأمر الأول لذلك الفعل المأمور به أولا والأمر الأول لم يدل على ذلك بل دلّ على طلب الشارع في زمانه المغاير لزمان الأمر الثاني لذلك الفعل وقد يقال عليه إن كان المراد من قوله لأن الأمر الثاني إلى آخره أن الشارع طلب بعد زمانه أولا وثانيا فحينئذ ليس فيه صرف الثّاني إلى الأول لأن هنا طلبين لا ربط بينهما فضعفه ظاهر وإن كان المراد منه أن الأمر الأول صريح في الدّلالة على الطلب في الزّمان الأوّل وأمّا الزّمان الثاني والثالث فيفهم بالالتزام وليس الأمر الثاني كذلك لأنّ الأمر الثاني يدل صريحا على ما دلّ عليه الأول التزاما ففيه أن هذا المقدار من التّغاير لازم في جميع التأكيدات اللَّفظية ولو كان هذا موجبا لعدم التأكيد لانتفي التأكيد اللَّفظي رأسا وهو خلاف إجماعهم على الظاهر مع أنّه لا يصح في المتماثلين المتعاقبين إذ ليس بينهما زمان أول وثان عرفا فتأمل ومنها أن الأمر الأول يقتضي الوجوب والأمر الثّاني إمّا أن يوجب شيئا غير الأول أو لا والأول هو المطلوب والثاني فإما أن لا يوجب شيئا أصلا أو يوجب ما يوجبه الأول وكلاهما باطل أمّا الأوّل فلأنه يلزم تخلف المعلول عن علته أو إهمال اللفظ وكلاهما محال وأمّا الثاني فلأنه يلزم تحصيل الحاصل وهو محال أيضا فتعين الأول وهو المطلوب وفيه نظر لأنه لو تم لزم أن لا يتحقق تأكيد أصلا كما لا يخفى وهو فاسد جدّا والحل أنّه يلزم تحصيل الحاصل لو لم يفسد التأكيد أمّا على تقدير إفادته فلا كما